الاعتمادية والعلاقات الصحية

الاعتمادية والعلاقات الصحية ؛ الاعتمادية ببساطة هى أن يعتمد استقرار الإنسان الداخلى على أمور خارجية أكثر مما يعتمد على خياراته الشخصية وسلامه الداخلي ؛ وبالتالى فإن الاعتمادية تتضمن محاولات مستمرة للسيطرة على البيئة الخارجية، من أشياء وأشخاص، بحثاً عن الاستقرار والتوازن النفسى ؛ ولأن الاستقرار الحقيقي ينبع من الداخل أكثر من الخارج، فإن هذه المحاولات دائماً ما تبوء بالفشل على المدى البعيد، وإن حققت بعض النجاح المؤقت.

ما هي هذه الأشياء الخارجية التي قد نعتمد عليها اعتمادية مرضية؟

يمكن أن تكون هذه البيئة الخارجية أى شيء ؛ ربما من أجل التبسيط يمكن أن نلخص هذه الأشياء فى الآتي:

  • أشياء (المواد المخدرة).
  • سلوكيّات (أكل/سلوكيات جنسية/مقامرة/هوس الكمال(Perfectionism)
  • أو علاقات (إرضاء الناس/ السيطرة على الناس/ الحب والعلاقات العاطفية).

تم اكتشاف مفهوم الاعتمادية فى عائلات مدمنى الخمر حيث يربط أهل المدمن حالتهم النفسية وتقييمهم لأنفسهم، بحالته هو أو أو تعافيه، لذلك فإنهم يحاولون شفاءه أو السيطرة على إدمانه، وهذا يبوء بالفشل دائماً لأن تعافى المدمن يجب أن ينبع منه هو.

وقد تم إطلاق تعبير “الاعتمادية المتواطئة” Co-dependency على مثل هذه العلاقات لأنها بين شخصين أعتماديين ؛ أحدهما يعتمد على الخمر بينما الآخر يعتمد على المدمن.

لقد كان التعريف هنا نابعاً من وصف علاقة وليس من وصف مرض أو اضطراب فى الشخصي ؛ ولكن ظلت هذه التسمية باقية، حتى بعد اكتشاف أن الاعتمادية مرض أولى وليس ناتجاً فقط من علاقة بين المدمن والمقربين إليه.

الاعتمادية والعلاقات الصحية أو الذات المزيفة

تُعتبر الاعتمادية المتواطئة جزءاً من النظام الدفاعي المزيف الذي بنيناه فى طفولتنا للبقاء على قيد الحياة فى أسرة مضطربة لأنه لم يكن لنا أى أدوات أخرى لبرمجة الذات ومعالجة عواطفا المجروحة ؛ بكلمات أخرى الاعتمادية هى أحد برامج الذات الدفاعية المزيفة وبالتحديد هى برنامج العلاقات الخاص بهذه الذات.

أعراض الاعتمادية

أولاً: فى العلاقة بين النفس:

أ. العلاقة السلبية بالنفس:

الحياة فى أسرة مضطربة بها إهمال إساءات تجعل علاقة الفرد بنفسه سيئة أو على الأقل ضعيفة ؛ الطريقة الوحيدة التي تجعل الفرد يشعر بنفسه وقيمته في أسرة مثل هذه هى من خلال الخدمة وحل المشكلات ؛ لذلك فإن الاعتمادى لا يمكن أن يكون سعيداً هكذا بدون سبب، لابد من وجود سبب قوى للشعور بالرضا والسعادة.

لابد من نجاح باهر أو تحقيق شئ عظيم أو خدمة متفانية، لكى يحصل الاعتمادى على لحظات من الشعور بقيمة نفسه ؛ قد تأخذ العلاقة السلبية بالنفس شكلاً خبيثاً فى صورة الرغبة فى الوصول للكمال Perfectionism  بحيث يعاني الاعتمادى من الإحساس بالالتزام والجدية أكثر من اللازم سعياً وراء القبول من الآخرين، وظناً أن الآخرين لن يقبلوه إلا إذا كان كاملاً، لأنه هو نفسه لا يستطع أن يقبل نفسه بسهولة أو يتعامل مع أخطائه بصورة إيجابية، وإنما يميل للشعور المبالغ فيه بالذنب، ولوم نفسه أكثر من اللازم.

لا يستطيع الاعتمادى أن يتوقع من الحياة أشياء جيدة إلا إذا دفع ثمنها، وحتى إذا دفع ثمنها وحصل عليها يرفض أن يأخذها لأنه لا زال يشعر أنه لا يستحقها.

ب. عدم القدرة على رعاية النفس:

لم يتلقَّ الاعتمادى رعاية فى الطفولة فلا يعرف كيف يرعى نفسه. كما أنه يجد صعوبة فى استقبال الحب والرعاية من الآخرين. بعض الاعتماديين يطالبون من حولهم أكثر من اللازم برعايتهم، والبعض الآخر (الاعتماديون العكسيون) لا يطالبون أحداً بشىء. لكن كلا النوعين يتميز بعدم القدرة على رعاية نفسه أو استقبال الرعاية والحب. دائما ما يشكون فى حب الآخرين و يتوجسون من الاعتماد عليهم.

ج. الأمية الوجدانية:

بسبب الحياة فى أسرة مضطربة لا تسمح بالتعبير عن المشاعر، فإن الاعتمادى فقير جداً فى الذكاء الوجدانى (أى مهارة التعامل الناضج مع المشاعر) وهذا يؤدى إلى إنكار المشاعر وعدم القدرة على التعبير عنها، أو ربما المبالغة فى التعبير عنها فى صورة انفجارات من الغضب والانهيار.

ثانياً: فى العلاقة بالآخرين - سمات العلاقات الاعتمادية:

أ. علاقات بلا حدود صحية:

من أهم سمات العلاقات الاعتمادية عدم القدرة على عمل حدود صحية فى العلاقات ؛ لكى يضبط الإنسان المسافة التى بينه وبين إنسان آخر فى العلاقة فلا يقترب أكثر من اللازم أو يبتعد أكثر من اللازم يحتاج إلى قدر من النضج النفسى الذى يتيح له أن يعى مشاعره ومشاعر الآخرين ويدرك ما هى المسافة المناسبة التي تسمح له وللآخرين بالدفء والحرية فى نفس الوقت، تماماً مثلما يدرك قائد السيارة صاحب الخبرة كيف يحتفظ بالمساحة المناسبة بينه وبين سيارة يحاول أن يتبعها فلا يبتعد عنها أكثر من اللازم فيفقدها أو يقترب منها أكثر من اللازم ويصطدم بها إذا اضطرت للتوقف فجأة لأي سبب من الأسباب.

فى الجدول التالى سوف نقدم مقارنة بين الموقفين المتطرفين للاعتمادية وهما التقارب لحد التداخل، والتباعد لحد الانعزال وسوف نضع الموقف الصحّى المتزن في المنتصف ؛ وسوف نلاحظ أن الموقف الصحي دائما هو موقف وسطى يتميز بالمرونة والقدرة على التأقلم مع الظروف المختلفة والأشخاص المختلفين وهذا دائماً ما يميز الذات الحقيقية ؛ أما الذات المزيفة في كونها ذاتاً دفاعية غير حقيقية فهى تتميز بالجمود وعدم المرونة.

تداخل (لا الحدود):
  • عندما أقابل شخصاً غريباً لأول مرة، أجد نفسى قد حكيت له كل شىء فى حياتى على سبيل الانفتاح والمشاركة.
  • أحاول دائماً تسديد احتياجات الآخرين لدرجة أنى لا أدرى ما يجب أن أفعله وما لا يجب أن أفعله ؛ ولا أستطيع تسديد أهم احتياجاتك الشخصية.
  • أقع فى الحب من أول نظرة، كلما أقابل فتاة جميلة أحبها (كلما أقابل شاباً لطيفاًوحنوناً أقع فى حبه على الفور) ولا أحتمل ألا يحبنى أحد من أول مرة.
  • لاأعرف الخطأ من الصواب ولا أريد أن أبذل مجهوداً لمعرفته، لذلك أترك الآخرين يقررون لى ما أفعل باعتبار أن هذا أكثر أماناً.
حدود صحية:
  • عندما أتعرَف على شخص جديد، أبنى معه الثقة بالتدريج وأكون مستعداً للمشاركة والمكاشفة على قدر نمو العلاقة.
  • أحاول أن أكون متاحاً للناس على قدر ما أستطيع وأسدد احتياجاتهم دون أن تضطرب حياتى.
  • العلاقات في نظري مبنية على الاحترام المتبادل ؛ لذلك فهي تحتاج إلى وقت وتفكير ؛ الحب في نظري اختيار واع مبني على المعرفة العميقة، والتزام وتضحية وفهم متبادل ؛ الحب رغبة في تحقيق حياة مشتركة بكل عناصرها وليس مجرد مشاعر واحتياجات.

أثق فى رأيي وقدرتي على معرفة الصواب من الخطأ الحقيقي من المزيف ؛ أعرف كيف تكون ردود الأفعال السليمة. كما أنى أيضاً مستعد أن أفحص آراء الآخرين وأرى الصواب فيها وأتعلم منهم.

تباعد (حدود كثيفة):
  • لا أفتح قلبى لأى إنسان، ولا أثق بأحد ؛ أخاف أن تعرف الناس أسرارى.
  • لا أسمح لنفسى أن أفكر فى احتياجات الناس حتى وإن كنت أحبهم ؛ عندى ما يكفيني من المشاكل.
  • لايمكن أن أسمع لرأى أحد ؛ لا أسمح لأحد أن يؤثر علىّ ولا أثق فى آراء الآخرين ؛ دائماً أحب أن أظهر بمظهر القوى الواثق من نفسه، الذى يعرف كل شىء ولا يحتاج لأن يعلمه أحد أى شىء.

يوجد أشخاص يميلون أكثر لناحية التداخل وآخرون ناحية التباعد ؛ والأغلبية تتأرجح بين الاثنين ؛ يشبه الأمر فى كثير من الأحيان اثنين ينامان معاًفى ليلة شتوية قارسة البرودة ومعهما “بطانية” واحدة ؛ في يقتربان من بعضهما البعض ليست دفئا ؛ ولكن بعد مرور بعض الوقت، يشعر أحدهما بأنه استدفأ بما فيه الكفاية ولا يحتاج لمثل هذا الاقتراب، فيبتعد.

أو ربما يشعر بالإختناق، فيتخذ رد فعل عنيفاً، خصوصاً إن كان الآخر يتشبث به رافضاً الابتعاد ؛ لهذا السبب، نرى علاقات كانت شديدة القرب تتحول إلى ما يشبه العداء فجأة ؛ فى مثل هذه الحالات غالباً ما نلقى اللوم على الشخص الذى قطع العلاقة متهمين إياه بالجفاء والقسوة، لكن الحقيقة أن الاثنين وقعا، من البداية، دون أن يدريا، فى خطأ إقامة علاقة بلا حدود صحيّة ؛ لذلك أصبح عليهما معاً، بدرجات متفاوتة، أن يتحمل النتائج ويتألم، ويتعلما أيضاً.

ب. التأرجح بين الاعتمادية والاستقلالية:

بسبب الإحساس بالعجز أمام الآخرين وعدم القدرة على إدارة العلاقة وضبط الحدود فإن الاعتمادى يجنح إما إلى التداخل والاعتماد المبالغ فيه (الذوبان فى الآخر) أو الابتعاد التام عن الآخرين خشية الذوبان فيهم والألم بسبب هجرانهم.

ج. السيطرة:

بسبب الاعتماد المرضى على الآخرين يميل الاعتمادى إلى السيطرة على الآخرين ليشعر بالأمان ويتأكد أنهم لن يهجروه (تماماً مثلما يحرص المدمن على حماية “المصدر” الذى يحصل منه على المخدر ؛ قد تكون هذه السيطرة صريحة ومباشرة من خلال التسلط والقهر، وقد تكون بطريقة غير مباشرة من خلال المناورة أو ربما حتى الإذعان المبالغ فيه.

د. الإنقاذ:

بسبب غياب فكرة الحدود عند الاعتمادى وميله للحصول على قيمة نفسه من خلال خدمة الآخرين فإنه لا يراعى الحدود فى خدمة الآخرين فيصبح مسئولا عنهم أكثر من اللازم، ويميل إلى إنقاذهم حتى إذا لم يكونوا بحاجة إلى الإنقاذ، كما أن الإنقاذ هو نوع من السيطرة غير المباشرة ؛ غالباً ما ينقلب هذا الإنقاذ إلى عنف عندما لا يتجاوب الشخص الُمنِقَذ مع تعليمات ورغبات المُنقِذ.

هـ. السمات الماسوشية فى العلاقات:

يعانى الاعتمادى من سمات ماسوشية فى الشخصية وهى القدرة على احتمال معدلات عالية من الإساءة وربما الاستخدام، وذلك فى سبيل الحفاظ على العلاقة قد تصل أحياناً لدرجة التلذذ بالإساءة!

من أسباب تطور الشخصية الماسوشية عند الاعتماد تعرضه للتجاهل والإهمال فى الطفولة بحيث يكون العقاب أو الضرب هو الطريقة الوحيدة التي يحصل بها على الاهتمام “الاهتمام السلبى” لذلك فإنه يستطيع أن يتحمل الإساءة أكثر مما يحتمل التجاهل.

إن كانت هذه سمات العلاقات الاعتمادية فما هى سمات العلاقات الصحيحة؟

ثانياً: فى العلاقة بالآخرين - سمات العلاقات الاعتمادية:

  1. العلاقات الصحّية هى العلاقات المبنية على القبول غير المشروط للآخر وعدم الرغبة فى تغييره أو محاولة ذلك. تغيير كل إنسان مسئوليته هو الشخصية ؛ نحن لا نستطيع أن نغير الآخرين كما هم ربما يساعدهم هذا على التغير، لكن فى النهاية يكون القرار هو قرارهم، والمسئولية مسئوليتهم.
  2. الأشخاص الذين يعيشون فى علاقة صحية مع بعضهم البعض لديهم القدرة والشجاعة والسماحة أن يعبروا لبعضهم البعض عما يحدث فى العلاقة بدون خجل أو خوف فالعلاقات الصحيحة هى العلاقات التى يتم فيها العتاب ومناقشة سوء الفهم والاعتذار والاعتراف بالأخطاء بسهولة وبأقل قدر من الألم المحتمل.
  3. العلاقات الصحية هى العلاقات التى بها حدود صحية تسمح بالخصوصية والمسئولية فردية ؛ فى العلاقات الصحية بين أشخاص بالغين، لا يعتبر أحد نفسه مسئولاً عن الآخر وإنما نحن مسئولون، بسبب العلاقة، أن نفعل كل ما نستطيع بأمانة وإخلاص للطرف الآخر، لكن فى النهاية كل إنسان مسئول عن حياته واختياراته.
  4. العلاقات الصحية، هى العلاقات التى فيها مساحة للتعبير عن المشاعر والتعرف على مشاعر الآخرين برغبة حقيقة فى معرفة ما يدور داخل الطرف الآخر وجدانياً، قبل معرفة الأحداث التى تدور فى حياته.
  5. العلاقات الصحية تسمح بالاختلاف ولا تهدد به، ولا تظن أن الاتفاق فى كل شىء شرط من شروط العلاقة الحميمة.
  6. العلاقات الصحية تؤمن بمبدأ النمو التدريجى للعلاقة بحسب القدر الذي فيه من أمان وقدرة على الانفتاح.
  7. العلاقات الصحية تسمح بالاعتماد الصحى بين الناس، بحيث يساعد كل منا الآخر فيما لايستطيع أن يفعله، لكنها لا تسمح بالاعتمادية المرضية التى تحولنا إلى عجزه ومرضه.
  8. العلاقات الصحيّة، هى التى تمارس الغفران والاحتمال وتعطى فرصة جديدة، ولا تحاسب على أخطاء الماضى ؛ من يعيشون علاقات صحية يؤمنون بالتعافى والتغير والنمو من مرحلة إلى أخرى من النضوج فى الحياة والعلاقات.
  9. العلاقة الصحية تحتمل التعبير عن الاحتياجات بصدق وصراحة من دون لوم أو هجوم ؛ كثير من الناس يعبرون عن احتياجاتهم للطرف الآخر من خلال بلومه وتأنيبه بسبب ابتعاده، بدلاً من التعبير الصريح والمباشر عن افتقاده، فتكون النتيجة مزيداً من الابتعاد.
  10. العلاقات الصحيّة تهدف إلى إطلاق الاخر حراً والثقة فى ولائه وانتمائه ؛ هى العلاقات التى لا تمارس السيطرة باسم الحب والصداقة ؛ لا تمارس اللوم أو التأنيب أو الاقتراب والابتعاد كمناورات للسيطرة ؛ العلاقات الصحيّة تحتمل الابتعاد والاقتراب بكل حرية.
  11. العلاقات الصحيّة هى التى لا تستأثر بنا وإنما تساعدنا على الانفتاح على كل الناس وتؤدى على تقوية علاقاتنا بالأسرة والمجتمع والوطن ؛ العلاقة التي تعزلنا عن الناس ونكتفي بها عن كل البشر، علاقة غير صحية ؛ الإنسان كما يحتاج صداقات وعلاقات قريبة وحميمة، يحتاج أيضاً إلى مجتمع كبير به علاقات متنوعة.

رابعاً: السلوكيات القهرية:

الاعتمادية هى المادة الخام للإدمان “السلوكيات القهرية” ؛ فعندما يصبح الإنسان معتمداً على شىءخارجه لتحقيق استقراره الداخلى، فإنه يتعلق بهذا الشيء أو ذلك السلوك أو تلك العلاقة بصورة قهرية إدمانية ؛ من أكثر السلوكيات الإدمانية الشائعة بين الاعتماديين المتواطئين، إدمان العلاقات العاطفية والجنسية.

على هذه الصفحة
    Add a header to begin generating the table of contents

    اتصل بخط المساعدة

    خط المساعدة الخاص بنا هنا من أجلك أنت وأي شخص آخر يلعب دورًا داعمًا في حياة الشاب الذي يعاني من تعاطي المخدرات.

    أرسل إستشارتك إلى متخصص

    Share on facebook
    Share on twitter
    Share on pinterest
    Share on linkedin
    Share on whatsapp
    Share on tumblr
    Share on email
    1. The Most Important Qualities In Any Relationship. Retrieved 25 July (2016)
      https://www.theodysseyonline.com/the-most-important-qualities-in-any-relationship
    error: Content is protected !!